ورق أصفر
ورق أصفر
ألف ليلة وليلة ١٤: حكاية البوابة
Use Left/Right to seek, Home/End to jump to start or end. Hold shift to jump forward or backward.
ليلة جديدة من ليالي ألف ليلة وليلة، وحكاية جديدة من حكايات شهرزاد. نستكمل حكاية صاحبة المنزل قبل أن نبدأ نستمع إلى حكاية البوابة، وكيف قسى عليها الزمان، بعد أن أعطاها وأكرمها. ونستمع معا إلى واحد من أكثر المشاهد عنفا.
لقراءة النص أدعوكم لزيارة صفحة ورق أصفر في الرابط
https://waraqasfar.buzzsprout.com
فلما كانت الليلةُ السابعةَ عشرةَ
قالت "بلغني أيها الملكُ السعيد، أن الصبيةَ مازالت تحسنُ للشابِ التوجهَ معها حتى غلبَ عليها النوم، فنامت تلك الليلةَ تحتَ رجلِيه وهي لا تصدقُ بما هي فيه من الفرح، ثم قالت؛ لما أصبحَ الصباحُ قمنا ودخلنا إلى الخزائنِ وأخذنا ما خفَ حملُه وغلا ثمنُه، ونزَلنا من القلعةِ إلى المدينة فقابلنا العبيدَ والريس، وهم يفتشون علي، فلما رأَوني فرِحوا وسألوني عن سببِ غيابي، فأخبرتُهم بما رأيت، وحكيتُ لهم قصةَ الشاب، وسببَ مسخِ أهلِ هذه المدينة وما جرى لهم، فتعجبوا من ذلك، فلما رأتني[1] أختاي ومعي الشابُ حسداني عليه، وصارتا في غيظٍ وأضمرتا المكرَ لي، ثم نزَلنا المركَبَ وأنا بغايةِ الفرح، وأكثرُ فرحي بصحبةِ هذا الشاب، وأقمنا ننتظرُ الريحَ حتى طابَ لنا الريح، فنشرنا القلوعَ وسافرنا، فقعدَ أختاي عندنا وصارتا
تتحدثان[2] فقالتا لي؛ يا أختَنا، ما تصنعين بهذا الشابِ الحسن؟ فقلتُ لهما؛ قصدي أن أتخذَه بعلا؛ ثم التفتُ إليه وأقبلتُ عليه وقلت؛ يا سيدي، قصدي أن أقولَ لك شيئا، فلا تخالفْني فيه؛ فقال؛ سمعا وطاعة، ثم التفتُ إلى أختيَّ وقلت لهما؛ يكفيني هذا الشاب، وجميعُ هذه الأموال لكما؛ فقالتا؛ نعمَ ما فعلتِ؛ ولكنهما أضمرتا لي الشر، ولم نزل سائرين مع اعتدالِ الريح، حتى خرجنا من بحرِ الخوف ودخلنا بحرَ الأمان، وسافرنا أياما قلائلَ إلى أن قَرُبنا من مدينةِ البصرة، ولاحت لنا ابنيتُها، فأدرَكَنا المساء، فلما أخَذَنا النومُ، قامت أختاي وحمَلَتاني أنا والغلامَ بفرشِنا ورمتانا في البحر، فأما الشابُ فإنه كان لا يحسنُ العوم، فغرِقَ وكتبَه اللهُ من الشهداء، وأما أنا فكُتِبتُ من السالمين، فلما سقطتُ في البحرِ رزقني اللهُ بقطعةِ خشب فرِكبتُها، وضربَتني الأمواجُ إلى أن رمتني على ساحلِ جزيرة، فلم أزل أمشي في الجزيرة باقي ليلتي، فلما أصبحَ الصباحُ رأيتُ طريقا فيه أثرُ مشي على قدرِ ابنِ آدم، وتلك الطريقُ متصلةٌ من الجزيرةِ إلى البرِ وقد طَلَعَت الشمسُ فنشِفتُ ثيابي فيها، وسرتُ في الطريق، ولم أزل سائرةً إلى أن قَرُبتُ من البرِ الذي فيه المدينة، وإذا أنا بحيةٍ تقصِدُني وخلفَها ثعبانٌ يريدُ هلاكَها وقد تدلى لسانُها من شدةِ التعب، فأخذتني الشفقةُ عليها، فعمَدتُ إلى حجرٍ وألقيتُه على رأسِ الثعبان، فماتَ من وقتِه فنشرت الحيةُ جَناحين وطارت في الجو، فتعجبتُ من ذلك، وقد تعِبتُ فنمتُ في موضعي ساعة، فلما أفقتُ وجدت ُ تحتَ رجليَّ جاريةً وهي
تكبسُ رجلي، فجلستُ واستحيتُ منها، وقلتُ لها؛ من أنتِ؟ وما شأنُكِ؟ فقالت؛ ما أسرعَ ما نسِيتِني! أنتِ التي فعلتِ معي الجميلَ وقتلتِ عدوي، فأنا الحيةُ التي خلصتِ[3] من الثعبان، فإني جنيةٌ وهذا الثعبانُ جنيٌ وهو عدوي، وما نجاني منه إلا أنتِ، فلما نجيتني[4] منه طرتُ في الريحِ وذهبتُ إلى المركَبِ التي رماكِ منها أختاك، ونقلتُ جميعَ ما فيها إلى بيتِك وأغرقتُها، وأما أختاك فإني سحرتُهما كلبتين من الكلابِ السود، فإني عرَفتُ جميعَ ما جرى لك معهما، وأما الشابُ فإنه غرِق؛ ثم حَمَلتني أنا والكلبتين وألقتنا فوقَ سطحِ داري، فرأيتُ جميعَ ما كان في المركبِ من الأموالِ في وسطِ بيتي، ولم يضِعْ منه شيء، ثم إن الحيةَ قالت لي؛ وحقِ النقشِ الذي على خاتَمَِ سليمان، إذا لم تضربِي كلَ واحدةِ منهما في كلِ يومٍ ثلاثَمائة سوط، لآتين وأجعلنك مثلَهما، فقلتُ؛ سمعا وطاعة، فلم أزل، يا أميرَ المؤمنين، أضربُِهما ذلك الضربَ وأُشفِقُ عليها. فتعجبَ الخليفةُ من ذلك، ثم قالَ للصبيةِ الثانية، وأنتِ ما سببُ الضربِ الذي على جسدِك؟ فقالت "يا أميرَ المؤمنين، إني كان لي والدٌ، فماتَ وخلَّفَ مالا كثيرا، فأقمتُ بعدَه مدةً يسيرة وتزوجتُ برجلٍ أسعدَ أهلِ زمانِه، فأقمتُ معه سنةً كاملة، ومات، فورِثتُ منه ثمانين ألفَ دينار، بمقتضى ما خصني بالفريضةِ الشرعية، فعمِلتُ عشرَ بَدْلات[5]، كلُ بَدلةٍ بألفِ دينار، فبينما أنا جالسةٌ في يومٍ من الأيام إذ دخلت علي عجوزٌ بوجهٍ مسعوط[6] وحاجبٍ ممعوط[7] وعيونُها مُفَجَّرة وأسنانُها مكسرة ومخاطُها سائل وعنقُها مائل كما قال فيها الشاعر:
عجوزُ النحسِ إبليسٌ يراها
تعلمُه الخديعةَ من سُكُوت[8]
تقودُ من السياسةِ ألفَ بغل،
إذا نَفَروا، بخيط العنكبوت[9]
وكما قال الآخر:
وعجوزٌ لها الكهانةُ طبعٌ
حلَّلت في الحرامِ ما لن يجوزا
بُعبِصتْ[10] طفلةً وليطت[11] فتاةً
وزنت كهلةً وقادت عجوزا
فلما دخلت العجوزُ سلمت علي وقالت إن عندي بنتا يتيمةً، والليلةَ عمِلتُ عرسَها، وأنا قصدي لك الأجرُ والثواب، فاحضري عرسَها فإنها مكسورةُ الخاطر ليس لها إلا اللهُ تعالى، ثم بكت وقبلت رجلي، فأخذتني الرحمةُ والرأفة، فقلت؛ سمعا وطاعة؛ فقالت؛ جهزي نفسَك فإني وقتَ العشاء أجيءُ وآخذُك، ثم قبلت يدي وذهبت، فقمتُ وهيأتُ نفسي وجهزتُ حالي، وإذا بالعجوزِ قد أقبلت وقالت؛ يا سيدتي، إن سيداتِ البلدِِ قد حَضَرْن وأخبرتُهن بحضورِك، ففرحن، وهن في انتظارِك، فقمتُ وتهيأتُ وأخذتُ جَواري معي وسرت، حتى أتينا إلى زُقاقٍ[12] هبَ فيه النسيم وراق، فرأينا بوابةً مقنطرةً بقبُةٍ من الرخامِ مشيدةِ البنيان، وفي داخلِها قصرٌ قد قامَ من التراب وتعلقَ بالسحاب، فلما وصلنا إلى البابِ طرقتْه العجوزُ ففُتِحَ لنا ودخلنا، فوجدنا
دهليزا مفروشا بالبُسُطِ معلقٌ[13] فيه قناديلُ موقدةٌ وشموعٌ مضيئة، وفيه الجواهرُ والمعادنُ معلقة، فمشَينا في الدهليز إلى أن دخلنا قاعةً لا يوجدُ لها نظير، مفروشةٌ بالفراشِ الحرير، معلقٌ[14] فيها القناديلُ الموقدة والشموعُ المضيئة، وفي صدرِ القاعةِ سريرٌ من المرمر، مرصعٌ بالدرِ والجوهر، وعليه ناموسيةٌ من الأطلس، وإذا بصبيةٍ خرجت من الناموسيةِ مِثلَ القمر، فقالت لي؛ مرحبا، وأهلا وسهلا يا أختي، آنستِني وجبرتِ خاطري، وأنشدت تقول:
لو تعلمُ الدارُ من قد زارَها فرحت
واستبشرت ثم باست موضعَ القدم
وأعلنت بلسانِ الحالِ قائلةً
أهلا وسهلا بأهلِ الجودِ والكرم
ثم جلست وقالت لي؛ يا أختي، إن لي أخا وقد رآكِ في بعضِ الأفراح، وهو شابٌ أحسنُ مني، وقد أحبَكِ قلبُه حبا شديدا، وأعطى هذه العجوزَ دراهمَ حتى أتتكِ وعمِلت هذه الحيلةَ لأجلِ اجتماعي بك، ويريدُ أخي أن يتزوجَكِ بسنةِ الله ورسولِه، وما في الحلالِ من عَيب، فلما سمعتُ كلامَها ورأيتُ نفسي قد انحزتُ[15] في الدارِ، قلتُ للصبية؛ سمعا وطاعة؛ ففرحت وصفقت بيديها، وفتحت بابا فخرجَ منه شابٌ مثلُ القمر، كما قال الشاعر:
قد زادَ حسنا تبارك الله
جلَّ الذي صاغَه وسواه
قد حازَ كلَ الجمالِ منفردا
كلُ الورَى في جمالِه تاهوا
قد كُتِبَ الحسنُ فوقَ وَجنتِه
أشهدُ لا مليحَ إلا هو
فلما نظرتُ إليه مالَ قلبي له، ثم جاءَ وجلسَ، وإذا بالقاضي قد دخلَ ومعه أربعةُ شهود، فسلموا وجلسوا، ثم إنهم كتبوا كتابي على ذلك الشابِ وانصرفوا، فالتفتَ الشابُ إلي وقال "ليلتُنا مباركة" ثم قال "يا سيدَتي، إني شارطٌ عليك شرطا" فقلت؛ يا سيدي، وما الشرط؟ فقامَ وأحضرَ لي مصحفا وقال "احلِفي لي أنك لا تختاري أحدا غيري، ولا تميلي إليه" فحلَفتُ على ذلك، ففرِحَ فرحا شديدا وعانقني، فأخَذت محبتُه قلبي، وقدموا لنا السِّماطَ، فأكلنا وشرِبنا حتى اكتفينا، ودخلَ علينا الليل، فأخذَني ونامَ على الفراشِ وبتنا في عناقٍ إلى الصباح، ولم نزل على هذه الحالة مدةَ شهر، ونحن في هناءٍ وسرور، وبعدَ الشهر استأذنتُه في أني أسيرُ إلى السوقِ وأشتري بعضَ قُماش، فأذِنَ لي في الرَواح، فلبِستُ ثيابي وأخذتُ العجوزَ معي، ونزَلتُ في السوق، فجلستُ على دكانِ شابٍ تاجرٍ تعرِفُه العجوز، وقالت لي "هذا ولدُ صغير ُماتَ أبوه وخلَّفَ له مالا كثيرا، ثم قالت له؛ هاتِ أعزَ ما عندَك من القُماشِ لهذه الصبية، فقالَ؛ سمعا وطاعة، فصارت العجوزُ تثني عليه، فقلت؛ ما لنا حاجةً بثنائك عليه، لأن مرادَنا أن نأخذَ حاجتَنا منه ونعودَ إلى منزلِنا، فأَخرَجَ لنا ما طلبناه، وأعطيناه الدراهمَ فأبي أن يأخذَ شيئا، وقال؛ هذه ضيافتُكم اليومَ عندي، فقلتُ للعجوز؛ إن لم يأخذْ الدراهمَ أعطِيه قماشَه، فقال؛ واللهِ لا آخذُ منكِ شيئا، والجميعُ هديةٌ من عندِي في قبلةٍ واحدة، فإنها عندي أحسنَ من جميعِ ما في دكاني، فقالت العجوز؛ ما الذي يفيدُك من القبلة، ثم قالت؛ يا بنتي، قد سمعتِ ما قالَ هذا الشاب، وما يصيبُك شيءٌ إذا أخذَ منكِ قبلة، وتأخذين ما تطلبينه، فقلتُ لها؛ أما تعرفين أني حالفةٌ، فقالت "خلِّيه يقبلُك وأنتِ ساكتة، ولا عليكِ شيء، وتأخذين هذه الدراهم" ولازالت تحسنُ لي الأمرَ حتى أدخَلَت رأسي في الجراب، ورضِيتُ بذلك، ثم إني غطيتُ عيني وداريتُ بطرفِ إزاري من الناس، وحطَ فمَه تحتَ إزاري على خدي، فلما قبلَني عضَني عضةً قوية حتى قطعَ اللحمَ من خدي فغُشي علي، ثم أخذتني العجوزُ في حِضْنِها، فلما أفقتُ وجدتُ الدكانَ مقفولة، والعجوزُ تُظهِرُ لي الحزنَ وتقول "ما دفعَ اللهُ كان أعظم" ثم قالت لي "قومي بنا إلى البيت، وِعمَلي نفسَك ضعيفة، وأنا أجيءُ إليكِ بدواءٍ تداوين به هذه العضةَ فتبرَئين سريعا، فبعدَ ساعةٍ قمتُ من مكاني وأنا في غايةِ الفِكرِ، واشتدَ بي الخوف، ومشَيتُ حتى وصلتُ إلى البيت، وأظهرتُ حالةَ المرض، وإذا بزوجي داخلٌ[16] وقال "ما الذي أصبَاكِ، يا سيدتي، في هذا الخروج؟" فقلتُ له؛ ما أنا طيبة، فنظرَ إلي وقالَ لي "ما هذا الجُرحِ الذي بخدِك؟ وهو في المكانِ الناعم؟" فقلت؛ أني لما استأذنتُك وخرجتُ في هذا النهارِ لأشتري القُماش، زاحمني جملٌ حاملٌ حطبا، فشرمطَ[17] نَّقابي وجرحَ خدي كما ترى، فإن الطريقَ ضيقٌ في هذه المدينة" فقال "غدا أروحُ للحاكمِ وأشكو له، فيشنُقُ كلَ حطابٍ في المدينة" فقلت؛ باللهِ عليك لا تتحملْ خطيئةَ أحد، فإني ركَبتُ حِمارا فنَفَرَ بي فوقعتُ على الأرض، فصادفني عودٌ فخدشَ خدي وجرحني، فقال "غدا أطلَعُ لجعفر البرمكي وأحكي له الحكايةَ فيقتلُ كلَ حمارٍ في هذه المدينة" فقلت؛ هل أنت تقتلُ الناسَ كلَهم بسببي، وهذا الجرحُ الذي جرى لي بقضاءِ الله وقدرِه؟! فقال "لابد من ذلك، وشدد عليّ، ونهضَ قائما وصاحَ صيحةً عظيمة، فانفتحَ البابُ وطلِعَ منه سبعةُ عبيدٍ سود فسحبوني من فرشي ورموني في وسطِ الدار، ثم أمرَ عبدا منهم أن يمسكَني من أكتافي ويجلسَ على رأسي، وأمرَ الثاني أن يجلسَ على ركبتيّ ويمسكَ رجليّ، وجاءَ الثالثُ وفي يدِه سيف فقال، يا سيدي "أضربِْها[18] بالسيفِ فأقسِمَها نصفين؟، وكلُ واحدٍ يأخذُ قطعةً يرميها في بحرِ الدجلة فيأكلَها السمك، وهذا جزاءُ من يخونُ الأَيمانِ والمودة"، وأنشدَ هذا الشعر:
إذا كان لي فيمن أحبُ مشاركٌ
منعتُ الهوى روحيَ ليُتلِفَني وَجْدي[19]
وقلتُ لها يا نفسٌ موتي كريمةً
فلا خيرَ في حبٍ يكونُ مع الضدِ
ثم قالَ للعبد "اضربْها يا سعد" فجردَ السيفَ وقال "اذكري الشهادةَ وتذكري ما كان لك من الحوائجِ وأوصيِ، فإن هذا آخرُ حياتِك" فقلت له "يا عبدَ الخير، تمهلْ عليّ قليلا حتى أتشهدَ ثم أوصي" ثم رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى حالي وكيف صرتُ في الذلِ بعدَ العزِ فجرت عبرتي وبكيتُ وأنشدتُ هذه الأبيات:
أقمتُم فراقي في الهوى وقَعَدتمُ
وأسهرتم جَفنيَ القريحَ ونمتمُ
ومنزلُكم بين الفؤادِ وناظري
فلا القلبُ يسْلُوكم ولا الدمعُ يكتمُ
وعاهدتموني أن تقيموا على الوفا
فلما تملكتم فؤادي غدرتمُ
ولم ترحموا وجدي بكم وتلهفي
أأنتم صروفَ الحادثات أمِنتمُ
سألتُكم باللهِ إن متُ فاكتبوا
على لَوحِ قبري إن هذا متيمُ
لعل شجيا عارفا لوعةَ الهوى
يمر ُعلى قبرِ المحبِ فيرحمُ
فلما فَرَغتُ من شعري بكيتُ، فلما سمِعَ الشعرَ ونظرَ إلى بكائي ازدادَ غيظا على غيظِه، وأنشدَ هذين البيتين:
تركتُ حبيبَ القلبِ لا عن ملالةٍ
ولكن جنى ذنبا يؤدي إلى التركِ
أرادَ شريكا في المحبةِ بيننا
وإيمانُ قلبي لا يميلُ إلى الشركِ
فلما فرَغَ من شعرِه بكيتُ واستعطفتُه وقلتُ في نفسي؛ أتواضعُ له وألينُ له الكلامَ لعله يعفو عني من القتل، ولو كان يأخذُ جميعَ ما أملك، ثم شكوتُ إليه ما أجِدُه وأنشدتُه هذه الأبيات:
وحقِكَ، لو أنصفتَني ما قتلتَني
ولكن حكمَ البَينِ ما فيه منصفُ
وحمَّلتَني ثِقلَ الغرامِ وإنني
لأعجزُ عن حَملِ القميصِ وأضعفُ
وما عجبٌ اتلافُ رُوحي وإنما
عجِبتُ لجسمي بعدَكم كيف يُعرَفُ
فلما فرَغتُ من شعري بكيتُ، فنظرني ونهرني وشتمني، وأنشدَ هذه الأبيات:
تشاغلتُم عنا بصحبةِ غيرِنا
وأظهرتم الهِجرانَ ما هكذا كنا
سنترككم لما تركتمُ مَرامَنا[20]
ونصبِرُ عنكم مثلَ صبرِكم عنا
ونهوى سواكم مذ جنحتم لغيرِنا
ونجعلُ قطعَ الوصلِ منكم ولا منا
فلما فرَغَ من شعرِه صرخَ على العبدِ وقال "اُشطُرْها نصفين، فليس لنا فيها فائدة" فلما تقدمَ العبدُ إليّ أيقنتُ بالموت، ويئستُ من الحياة، وسلمتُ أمري للهِ تعالى، وإذا بالعجوزِ قد دخلت ورمت نفسَها على أقدامِ الشابِ وقبلتهما وقالت "يا ولدي، بحقِ تربيتي لك تعفو عن هذه الصبية، فإنها ما فعلت ذنبا يوجبُ ذلك، وأنت شابٌ صغيرٌ فأخافُ عليك من دعائها" ثم بكت العجوزُ ولم تزل تُلِحُ عليه حتى قالَ "قد عفوتُ عنها، ولكن لابد أن أعمَلَ فيها أثرا يَظْهرُ عليها بقيةَ عمرِها" ثم أمرَ العبيدَ فجذبوني من ثيابي وأحضر قضيبا من
سفرجل ونزلَ به على جسدي بالضرب، ولم يزل يضربُني ذلك الشابُ على ظهري وجنبي حتى
غِبتُ عن الدنيا من شدةِ الضرب، وقد يئستُ من حياتي، ثم أمرَ العبيدَ انه إذا دخلَ الليلُ يحملونني ويأخذون العجوزَ معهم ويرمُونني في بيتي الذي كنتُ فيه سابقا، ففعلوا ما أمرَهم به سيدُهم ورمَوني في بيتي، فتعهدتُ نفسي وداويتُ جسمي فلما شُفيتُ بقِيتْ أضلاعي كأنها مضروبةٌ بالمقارعِ كما ترى، فاستمرَيتُ في مداواةِ نفسي أربعةَ أشهرٍ حتى شُفيتُ، ثم جئتُ إلى الدارِ التي جرى لي فيها ذلك الأمرُ فوجدتُها خربةً، ووجدتُ الزقاقَ مهدوما من أولِه إلى آخرِه، ووجدتُ في موضعِ الدارِ كيمانا. ولم أعلمْ سببَ ذلك، فجئتُ إلى أختي هذه التي من أبي فوجدتُ عندَها هاتين الكلبتين، فسلمتُ عليها وأخبرتُها بخبري وبجميعِ ما جرى لي فقالت لي "من ذا الذي من نكبات الزمان سلِمَ، الحمدُ لله الذي جعلَ الأمرَ بسلامة، ثم أخبرتني بخبرِها وبجميعِ ما جرى لها مع أختيها، وقعدتُ أنا وهي لا نذكرُ خبرَ الزواجِ على ألسِنتنا، ثم صاحبتنا هذه الصبيةُ الدلالة، وفي كلِ يوم تخرجُ تشتري لنا ما نحتاجُ إليه من المصالح، واستمر بنا على هذه الحالةِِ إلى هذه الليلةِ التي مضت، فخرجت أختُنا تشتري لنا ما نحتاجُ إليه من المصالحِ على
جَرْيِ عادتِها، فوقعَ لنا ما وقعَ من مجيءِ الحمالِ والصعاليك، ومن مجيئِِكم في صفةِ تجار، فلما صرنا في هذا اليومِ لم نشعرْ إلا ونحن بين يديك، وهذه حكايتُنا"
فتعجبَ الخليفةُ من هذه الحكاية، وجعلها تاريخا مثبتا في خزانتِه، و... أدركَ شهرزادَ الصباحُ فسكتت عن الكلامِ المباح.
[1] في الأصل: رآني
[2] في الأصل يتحدثان
[3] في الأصل خلصتيني
[4] في الأصل نجيتيني
[5] كلمة "بَدْلة"، بمعنى حُلَّة (لسان العرب: الجيد من الثياب)، هي أحد الكلمات التي عربها المجمع الثاني المصري في نادي دار العلوم سنة 1910، وتلك المعلومة بحسب متن اللغة الصادر عن مجمع دِمَشْق عام ١٩٥٨. والنسخة المتاحة لي ليست مُشَكَّلة، وقد قمت بتشكيل الكلمة وفقا للنطق المصري. في الوقت نفسه لم أعثر على الكلمة في المعجم الوسيط وهو معجم اللغة العربية الحالي. أما كلمة بِذْلة، فهو ما يُلبس ويُمتهن ولا يُصان، وفقا للسان العرب. وبمنطق العصر الحالي تكون البَدلة أوالحُلَّة هي الملابس الرسمية وبِذلْة هي الملابس الكاجوال. لكن المعجم الوسيط يضع المعنين معا في كلمة بِذلة فهي ما يرتدى في العمل ولا يصان ويمتهن، وفيما ينطبق على الوصف على أصحاب المهن اليدوية والشاقة، إلا أنهم لا يطلقون على ملابسهم على حد علمي لا حلة ولا بذلة ولا بدلة، أما أصحاب الياقات البيضاء فيرتدون الحلة أو البدلة في العمل ويعتنون بها لأنهم لا يذهبون إلى مكاتبهم بملابس لا تصان. واختصارا اختلف مع الوسيط وأحتفظ بكلمة بدلة بدون تغيير.
أما البِزَّة، بالكسر: الهيئة والشَّارةُ واللِّبْسَةُ، والجمع بَز، وفي حديث عمر، لما دنا من الشام ولقيه الناس قال لأَسْلَمَ، مولاه: إِنهم لم يرو على صاحبك بِزَّةَ قوم غضب الله عليهم؛ البِزَّةُ: الهيئة (لسان العرب). وقد أدخلتها بعض المعاجم العربية الحديثة، ليس من بينها الوسيط، بمعنى قريب من كلمة يونيفورم الانجليزية وأوردت مثالا لذلك البِزة العسكرية.
[6] مسعوط: سَعَط، بمعنى أدخل الدواء في أنفه، والمَسعوط هو الدواء الذي يدخل من الأنف. أما وصف الأنف بالمسعوط فيبدو وصفا ساخرا بغير معنى محدد.
[7] ممعوط، من مَعَطَ أي نتف.
[8] يقول المصريون "من سكات" بمعنى في السر، وربما هذا هو المعنى هنا
[9] أي تقود بخيط العنكبوت ألف بغل بالسياسة، والنفور التفرق ونفرت الدابة أي جزعت وتفرقت، وساس الدابة أي قادها ورعاها.
[10] بُعبصت، مبنية للمجهول على الأرجح، وهي كلمة فجة في المصرية وربما في دول عربية أخرى بمعنى إدخال الإصبع في المؤخرة.
[11] ليطت، أيضا مبنية للمجهول على الأرجح، والفعل لاط له معان عدة منها لصق لكن المرجح هنا في السياق الفج للأبيات أنه بمعنى مارس اللواط أي إدخال القضيب في المؤخرة.
[12] الزقاق: طريق ضيق نافذ وغير نافذ
[13] في الأصل معلق، ولم تصحح في النسخ اللاحقة المتاحة لي، لكني أعتقد هنا أن معلق هنا مبتدأ والجملة نعت جملة اسميه.
[14] أيضا كتبت معلقا
[15] انحزت، وَانْحَازَ الْقَوْمُ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ إِلَى آخَرَ. واعتقد أن المعنى هنا أنها حوصرت في مكان غريب.
[16] أعتقد أن هذه الجملة ينطبق عليها ما يطلق عليه النحاة "المسألة الزنبورية" وهي المناظرة التي دارت بين الكسائي وسيبويه. ومن ثم يجوز النصب داخلا على انه حال (الكسائي) أو رفع على انه خبر (سيبويه).
[17] الشَّرْمُوطة: كلمة عامية مبتذلة تعنى: الثوب البالي الممزَّق، والجمع لها: شراميط؛ ويُقال شرمط الثوب: شقَّه. وهي تحريف للفعل: شرَّط؛ فَفُكَّ تشديد الراء وقلبت الراء الثانية ميمًا؛ ومثلها: فقَّع التي صارت في العامية: فرقع، وبرَّق التي صارت: برنق. وتُسمَّى هذه الظاهرة في الدراسات اللغوية بظاهرة المخالفة الصوتية.
(المعجم العربي لأسماء الملابس-رجب عبدالجواد إبراهيم-صدر: 1423هـ/2002ع ر
[18] هذه الجملة كتبت هكذا في النسخة الأصلية في صيغة سؤال هكذا "أأضربها؟" ما يوحي أنها قيلت على لسان العبد، لكني أرى أن المنطقي أن تكون على لسان السيد وليس العبد، ومن ثم تكون في صيغة أمر وليس سؤال، وتحذف الألف. وخاصة أن جملة القول التالية على لسان الزوج بدت استئنافية "ثم قال للعبد". أما جملة "يا سيدي" في البداية فتخرج من جملة القول على لسان السيد وتدخل في جملة القول على لسان الصبية التي تحكي الحكاية وتخاطب الملك بيا سيدي، من حين لآخر، وهو أسلوب يستخدمه الكاتب في مواضع أخرى ليذكرنا بأن الحكاية داخل حكاية.
[19] وَجَدَ به وَجْداً: في الحُبِّ لا غير، وإِنه ليَجِدُ بفلانة وَجْداً شديداً إِذا كان يَهْواها ويُحِبُّها حُبّاً شديداً.
[20] مَرام: مَطلَب.