آيسكريم النجاح

سفرة علاجية

Season 2 Episode 47

Use Left/Right to seek, Home/End to jump to start or end. Hold shift to jump forward or backward.

0:00 | 12:14

رحلة بدأت بعد حربٍ خارجية، تزامنت مع حربٍ داخلية صامتة أنهكت الشغف وأثقلت الصدر. في هذه الحلقة، أشارك تجربة شخصية تحوّلت فيها سفرة عمل غير متوقعة إلى نقطة تحوّل؛ من ضيقٍ وتردّد، إلى هدنةٍ مع النفس واتساع في الرؤية. حلقة عن الانكسار والتعلّم، وعن كيف يمكن للسفر—حين يأتي في وقته—أن يكون وصفة علاجية تفتح آفاقًا جديدة.


#آيسكريم_النجاح   #جامعة #تعليم#إرشاد #إشراف #عناية #اهتمام #حياة #امتنان #شكر #تعبير #دراسة #قدوة #ذكرى #مشاعر #ذكريات #تجربة #تجديد #نمذجة #محاكاة #عمل #وظيفة #مبتدئ #تدريب #أفق #تقنية #علم



Intro Music:
https://pixabay.com/music/introoutro-motivational-ident-main-9923/

Background Music:
https://pixabay.com/music/corporate-ambient-background-positive-10895/

Break Music:
https://youtu.be/NN8_R44Ig0g?si=u8je0m9Pg6C9A3wN

Outro Music:
https://pixabay.com/music/upbeat-inspiration-ig-version-30s-5884/

#تذوق ـ الجمال ـ نعمة
#بودكاست_آيسكريم_النجاح
يسعدني تواصلكم:الإيميل: raafat@alzaini.com
تويتر وانستقرام وسناب: raafatzaini@
كما تجدون تدويناتي على منصتي: ملهم و أكتب 

معلومات عن الحلقة:
المنتج المنفذ: المهندس فهد الصبحي.
تصميم الغلاف:  رأفت زيني

في ١٧ يناير ١٩٩١ بدأت حرب تحرير الكويت المعروفة بعاصفة الصحراء وانشغل الناس، وأنا معهم بطبيعة الحال، بمتابعة الأحداث وإلصاق الشطرطونات على طيق (شبابيك )المنازل..وألغيت المناسبات والأفراح والتي كان منها حفل زواج أحد أصدقائنا المهندس توفيق .. وتسمر الناس أمام شاشات التلفاز وتحديدًا أمام قناة السي إن إن بشعارها الأحمر المتمبز وهويتها الصوتية This is CNNوصورة مذيعها الأشهر; وولف بليتزر , حيث كانت تبث عى الموجة المحلية وتلتقط دون الحاجة إلى الدش والذي لم يظهر بعد بشكل واسع خلال تلك الفترة. 


بينما كانت تدور رحى حرب التحرير .. كانت هناك حرب أخرى تشتعل داخلي ..فقد مررت بمرحلة صعبة في العمل بعد تلقي نصيحة أخي نبيل التي ذكرت أهميتها في الحلقة الماضية (حوارات ومسارات)، والتي لم يكن من السهل علي أبدًا تطبيقها .. فقدت حماسي للعمل لدرجة أني أصبحت أجد صعوبة في الاستيقاظ من النوم للاستعداد والذهاب  . 


انضم للقسم على رتبة مدير أستاذ قدير في الفيزياء والهندسة الكهربائية .. ويبدو أنه بُلغ بموضوع رغبتي في التغيير فأخذ على عاتقه مهمة محاولة تغيير رأيي وإقناعي بالاستمرار.. أو بالبلدي "دحلستي" ، وكان ذلك بأسلوب أبعد مايكون عن الإغراء بالبقاء. فقد طلب مني أن أقدم عرضًا تقديميًا للقسم عن مهامي أو ماتعلمته .. لأني لم أكن أعمل على شئ .. اجتهدت في إعداد العرض خلال أيام الأسبوع التي لم يكن موجودًا خلالها فقد كان يداوم يوم واحد عندنا وأظنه كان في الجامعة بقية الأيام ولم يكن من الإتيكيت التجرؤ على السؤال عنه بقية الأيام. 


في يوم تقديم العرض الموعود شعرت بكتمة في صدري فذهبت إلى المستشفى القريب من العمل .. عملوا لي اختبار تنفس وطلع إن حجم الهواء في رئتي أقل من الطبيعي .. كنت تلك الفترة أعاني من التهابات الجيوب الأنفية وربما يكون له علاقة بذلك. بعد انتهاء الفحوصات غادرت المستشفى إلى البيت مباشرة ولم أعد إلى المكتب، و ثاني يوم سمعت من الزملاء الذين قدموا عروضهم للمدير إنه سأل عني بأسلوب " فرك هذه المرة ولكني في انتظاره"، شعرت إني أصبحت مكشوف وزاد شعوري بالألم المخجل وكأني الطالب المتأخر بين جمع من المتفوقين.


بعد أن وضعت عاصفة الصحراء أوزارها، فوجئت في يوم من الأيام بخبر ترشيحي للسفر إلى سويسرا لحضور معرض سيميكون العالمي في زيورخ بصحبة عدد من الخبراء و المدير وأحد الزملاء. دب الحماس في عروقي من جديد وبدأت أحضر لأول رحلة عمل في حياتي وعمل الحجوزات وحساب أيام الانتداب وقيمته والإثارة المصاحب لذلك .. كانت أيضًا أول تجربة لي في مواجهة تفاوت المزايا بين الموظفين.  فقد انضم لنا شاب أنيق حديث التخرج بدرجة الدكتوراه وسيسافر معنا أيضًا. أخذت زمام المبادرة ورحت أنسق معاه موضوع الحجز فتلك الأيام كانت الحجوزات تتم عن طريق مكاتب سياحية من أشهرها مكتب السفريات عبر القارات في مركز المدينة ومديره الشهير مستر موقال، كنت أعتقد إن الرجل زميل ولم أدرك حينها بأنه جاي على وظيفة نائب مدير أو ربما خبير بحكم قرب تخصصه من مجال العمل. فعندما زودتها معاه بكثرة الأسئلة عن الموعد المناسب للحجز وتفاصيل أخرى، قال لي أنا حجزي درجة أولى. صدمت من الرد وتراجعت بهدوء شديد عن موضوع التنسيق. عرفت لاحقًا بأنه قريب أحد كبار القياديين في الشركة وبالطبع المفروض إنه ماحد يدري. 


فيما تبقى من الأيام، انشغلت بتجهيز ملابس السفر ، فاشتريت جزمة ثمينة أكرمكم الله  من ماركة بالي السويسرية ولا أخفيكم إنها لم تكن مريحة كما كنت أعتقد و لكن كشخة ، وأعطاني أبوبكر صديق الطفولة، ربطة عنق كحلية أنيقة ومعطف شتوي فاخر من تركة والده رحمه الله والذي كان مقاسي مقارب لمقاسه بشكل عجيب سبحان الله، ولازلت محتفظًا بذلك المعطف وربطة العنق، وبالصدفة ارتديت المعطف في هذا اليوم النوڤمبري البارد.


كنت أسمع عن سويسرا من أصحابي أبناء الأسر الثرية منذ المرحلة المتوسطة وكنت أرسم عنها خيالات أكدتها لي شقيقتي التي زارتها بعد زواجها وقضائها شهر العسل هناك .. ولازلت أذكر هديتها المغلفة بشكل أنيق باللونين الأسود والأزرق البحري التركوازي لدرجة إني لم أجرؤ على فتح العلبة التحفة والتي احتوت على قطعة شوكولاتة بينما كانت هدية أبي قلم مونتبلان حبر فاخر بريشة ذهبية مزخرفة بشكل مبهر.


وصلنا زيورخ بعد رحلة طويلة عبر لندن اضطررنا خلالها للمبيت في تلك المدينة الساحرة والسفر ثاني يوم بعد أن فاتتنا الرحلة المواصلة إلى زيورخ. حقيقة تجاوزت سويسرا توقعاتي بمراحل، فقد كانت فعلاً بلد مثل الهدية الجميلة المغلفة بغلاف أجمل ، على قولهم، ولا غلطة.. شوارع نظيفة .. مباني أنيقة .. وأخباز طازجة .. وأجبان مذهلة .. ومربيات مميزة .. وشوكولاتة ساخنة تفوق الخيال ..حتى سيارات التكاسي كانت فارهة تتراوح بين اللكزس والمرسيدس ومابينهما.. لم أصدق عيناي أن اللكزس .. تاكسي ..وهي التي كانت ولازالت تمثل لي حلمًا مؤجلاً بدأ في التلاشي شيئًا فشيئًا .. ويظل شعارها المتميز الذي رافق انطلاقتها،"سعي إلى الكمال لايعرف الكلل" من أجمل الشعارات التي ألهمتني وأثّرت في فلسفتي الحياتية .. 


كان المعرض مهيبًا .. والتقنية المتقدمة مذهلة .. والشركات الرائدة في كل مكان، تفتح ذهني خلاله على مفاهيم الصناعة المتقدمة والبنى التحتية وأدركت حينها جهلي المريع بالتقنيات وتداخل التخصصات بينها .. وبدأ يتضح لي شيئًا فشيئًا على سبيل المثال دور الغازات النقية والمواد الكيميائية بل وحتى المياه فائقة النقاوة في تصنيع الإلكترونيات الدقيقة، وأهمية أجهزة التكييف والتحكم في العوامل الجوية وحساسية تأثير شكل التدفقات الهوائية بنوعيها laminar or turbulent  على نقاوة الغرف النظيفة وتأثير ذلك على جودة الرقائق الإلكترونية.  أحسست بالأثر العملي للجريان الطبقي laminar flow الذي يدفع الجسيمات العالقة في الهواء إلى الأسفل ويمنعها من الانتشار عشوائيًا في الغرف النظيفة خوفًا من أن تهبط على إحدى الرقائق الإلكترونية في أي مرحلة من مراحل تصنيعها فتتلفها. تذكرت مادة الفلويد ميكانيكس حيث درسنا الفرق بين النوعين من هذه التدفقات رياضيًا وعلاقتها بالرينولدز نمبر فقط .. آه ما أجمل تجربة معايشة توظيف تطبيقات العلم في الواقع.. لذلك أشعر بالأسى عندما أسمع من يزعم بأن ذلك المجال العلمي أو تلك التقنية، هي تخصصه الذي يعتقد أنه الأدرى بتفاصيله وخفاياه، وهذا يفسر، من وجهة نظري، العنّة التقنية التي تصيب من يرى الصناعة وتداخلاتها وتعقيداتها من منظور أحادي تخصصي ضيق يعيق حراك الابتكار وتأسيس ونمو الاقتصاد الصناعي الأصيل القائم على تداخل وتكامل المجالات وليس انفصالها وتخندقها.. إضافة إلى تلك الجرعة التقنية المركزة فقد انتعشت ذائقتي أيضًا بتناول البسكويتات اللذيذة والشوكولاتة الفاخرة والقهوة المركزة ، وجمع أنواع الهدايا التي كانت تقدمها فتيات أنيقات عند توقفنا في منصات الشركات العارضة للسؤال تارة، وللراحة من تعب المشي المتواصل بين صالات المعرض تارة أخرى. 


وبالتأكيد ..  لاينته اليوم رسميًا إلا بمشية طويلة بين أزقة زيورخ المتعرجة تختم بعشوة كنت أحيانًا أنعس خلالها من طول مدتها حيث كان بعض الرفاق من الخبراء يطلبون أكثر من طلب ويأكلون ببطء شديد ويثرثرون دون توقف وطبعًا الحساب بالقطة، عرفت خلال تلك العشوات على إنه من غير الإتيكيت الدرعمة في الأكل قبل أن تصل أطباق الجميع ثم يقال "بون أبيتيت" أي بالهناء والشفاء، كما تعرفت على أكلة البائليا والمياه الفوارة الغازية التي كانت رغم طلباتي المتكررة لها تزيد من ظمئي بدل أن تطفئه .. عرفت بعدها أن الأصل عندهم في طلب الماء هو الفوار أما الماء العادي فهو ماء الصنبور أو التاب وتر .. 


بعد نهاية المعرض زرنا إحدى الشركات في دولة مجاورة عجيبة كانت عبارة عن مدينة اسمها مملكة لشتنشتاين لنناقش توريد أحد الأجهزة التي ترسب الأبخرة الكيميائية لمعالجة الرقائق الإلكترونية .. كانت النقاشات تخوض في تفاصيل تقنية عميقة وظواهر علمية بعضها أسمع عنه لأول مرة وبعضها جعلني أستحضر عددًا من المواد الدراسية خلال المرحلة الجامعية  وحمسني لمراجعتها .... بعد تلك الوجبة العلمية الفاخرة تناولنا طعام الغداء في مطعم فائق الأناقة تزينه ديكورات بتدرجات لون الخزامى المريح.


ركبنا القطار في المساء قافلين إلى زيورخ حيث تناولنا عشاءً سريعًا في الفندق المجاور لمحطة القطار المركزية .. سبب العشاء السريع هو أن الكاش بدأ ينفد وفضل كل واحد أن يمد رجوله على قد لحافه بينما كنا نتوقع أنا وزملي أن العشاء قطة فتوسعنا في الطلبات فأصبحنا بخيبة أمل ذريعة .. وهو


يبدو لي أن الرحلة كانت بمثابة وصفة علاجية شافية ودلالة واضحة على نجاح محاولات المدير في إقناعي بالعدول عن التغيير، فقد عدت من تلك الرحلة السريعة الملهمة بحماس متجدد وحصيلة هائلة من المعلومات وكثير من التساؤلات وعدد لابأس به من الاحتمالات عن دوري في تخيل وصناعة المستقبل .. تلاشت ضيقة صدري وشعرت بانفراج في الأفق وأحسست وكأني دخلت في هدنة مع نفسي بعد أن وضعت الحرب التي كانت تدور رحاها في داخلي أوزارها .. أو هكذا خُيل إلي ..


شكرًا لحسن استماعكم و استمرار متابعتكم للحلقات، كما يسعدني سماع ملحوظاتكم وتجاربكم وأسئلتكم، وتهمّني مشاركتكم لها مع من تحبّون. ويشرّفني اشتراككم في قناتي على اليوتيوب أو على منصات البودكاست التي تفضلونها .. وتفعيل جرس التنبيهات لتصلكم أحدث الحلقات، وإلى اللقاء.