بعد صلاة الظهر في أول أسبوع دوام بعد عيد الفطر انطلقت للمطعم بعد أن لبست أول زنوبة لقيته عند باب المصلى بغض النظر عن مقاسه الكبير جدًا , والذي تسبب في أن يكون لخطواتي صوت ملحوظ تجاهلته لقرب مسافة المطعم من المصلى. دخلت المطعم مسرعًا وإذا بي أسمع صوت مميز حاد يناديني من الجهة اليسرى ويقول رأفت ..
شعرت بتوقف سريان الدم في عروقي والتفت ببطء ناحية مصدر الصوت، وكان من المدير الكبير، وقبل أن يكمل .. بادرته بقول كل عام وأنتم بخير .. رد بأسلوبه المعتاد وانت بخير وصحة وسلامة .. وأردف قائلاً .. أنا كنت غلطان أحسبك مهندس كيميائي .. ترى عندنا لك مكان ثاني ممكن تنقل له .. وسكت وكأنه يتوقع ردة فعلي .. كانت عيون الثلاثة اللي معاه على الطاولة ومنهم رئيسي المباشر تحدق في وجهي وهم مبتسمون ابتسامة "البيق ريڤيل" وكأنهم يتوقعوا إني راح أقفز من الفرح وأقول أو ماي قود (ماكانت هذه العبارة دارجة خلال تلك الحقبة لحسن الحظ) .. مرت أجزاء من الثانية وأنا مصدوم وفرحان وحيران في نفس الوقت يعني الثلاثة الإيموجيز كلها مرصوصة مع بعض..تماسكت ورديت وقلت .. آه طيب شكرًا على هذه المعلومة (أنا الآن بأحاول أتذكر ماذا قلت تحديدًا) .. اللي أذكره إني قلت له أنا اتفقت مع رئيسي نروح رحلة قريبة أطلع أكثر على طبيعة العمل ونقرر بعدها وأرد لكم .. فهل هذا مناسب؟ قال أكيد ..
شكرته بلطف واتجهت مسرعًا إلى طاولة الزملاء اللتي كانت تملأ عيونهم الأسئلة .. فالاستدعاء لطاولة الإدارة لابد وأن يكون لسبب مهم بغض النظر كان للشكر أو التقريع أو مابينهما. جلست في مكاني وركزت على تناول طعامي في صمت لم يتخلله سوى صوت المضغ مع خلفية اشتباك الملاعق والشوك والسكاكين وكأنها في مبارزة خلال حرب ضارية.
بعد عدة أيام وتحديدًا يوم السفر جيت المكتب قبل الطلوع إلى المطار لأرافق الزملاء، وإذا بحالة من القلق تخيم على المكان، فأحد كبار التنفيذيين الأجانب أعلن مغادرته فجأة .. قلت في نفسي مالذي يحدث وهل لهذا علاقة بالموضوع اللي كلموني الإدارة عنه.. كنت أحاول ربط أي حدث عابر بموضوعي .. سافرت إلى ألمانيا وتحديدًا لمدينة كولون (كولونيا) التي استخدم اسمها صانع العطور الإيطالي "جيوفاني ماريا فارينا" لتسمية ابتكاره للمزيج المنعش لأول مرة عام 1709، فأطلق عليه اسم "أو دو كولون" (Eau de Cologne) والذي يعني "ماء كولونيا". والتي أقمنا فيها وكنا نتردد منها على دوسلدورف القريبة منها للعمل.
بجانب الزيارات الرهيبة والاجتماعات التثقيفية .. مررت بتجربتين مختلفة تمامًا في كولونيا .. الأولى كانت حضور حفل موسيقى كلاسيكية في قاعة مصممة بشكل هندسي مذهل لايتطلب وجود الميكروفونات لالتقاط الأصوات أو السماعات لتوزعيها. كنت في تلك الفترة أبعد مايكون عن تذوق ذلك الفن الرفيع فضلاً عن الاستماع له .. لكني استمتعت بجمال القاعة وتصميمها الأنيق.
أما التجربة الثانية فتمثلت بمرافقة الزملاء الألمان بعد نهاية أحد أيام العمل في جولة على حانات المدينة لشرب الجعة (البيرة) في كل واحد منها .. والتي يبدو أنها من العادات التي تمارس عندما يطول النهار فيتبقى لهم وقت للتسلية قبل تناول وجبة العشاء. استنفذت خلال الجولةج شرب عصير البرتقال والتفاح والكولا والاسبرايت والماء وفي كل مرة أبحث عن دورة مياه الله يكرمكم بينما هم يواصلون الشرب والسوالف دون انقطاع. عندما شعرت بأني لا أستطيع الاستمرار في شرب السوائل المتواصل ومايتبع ذلك من احتياجات ووجدت أني قريب من الفندق أوعزت لأحدهم برغبتي في المغادرة وهل هذا يعد خرقًا للإتيكيت أو علوم الرجال .. فقال كايني بروبليما (لابأس في ذلك) اعتذرت من البشكة بلطف وأطلقت ساقاي tللريح إلى الفندق قبل أن أحتاج إلى زيارة ثانية عاجلة للمرافق.
خلال الرحلة فكرت طويلاً في ردي .. فقد بدأت أجد بصيص متعة في الرفقة والعمل .. وفي المقابل فأنا لا أعلم أي شي عن طبيعة العمل الجديد كل اللي أعرفه إنه يتماشى مع رغبتي بالعمل في مجال التطوير .. فلو اعتذرت فقد تفوتني الفرصة، كما لم أرغب في حرق سفني فلا يكون لي خيار رجعة .. فكل ما أعرفه عن المكان الجديد هو موعد انتقالي إليه بعد إجازة عيد الأضحى وكفى .. بمجرد وصولي من السفر ورغم الجدل المحتدم في ذهني بين ميزات وعيوب وفرص وتحديات كل خيار .. وكثرة الأسئلة التي تبحث عن أجوبة .. توكلت على الله وحسمت الأمر .. وقلت .. نعم قبلت..وحسنًا فعلت.
على الصعيد الشخصي تواصلت المفاوضات بين الأطراف المعنية في موضوع الخطوبة ووافق أبو العروسة على إننا نتقدم رسمي ورحنا الرياض للشوفة والخطوبة والتعارف بين الأسرتين في شهر ذو القعدة قبل أن يدخل شهر الحج وانشغال أبو العروسة بشغل الحج والأسر بعيد الأضحى والفعاليات المصاحبة له.. وأتذكر إن عم العروسة جلس جنبي وقعد يسألني عن عملي بالتفصيل وأنا حائر أجاوبه عن الحاضر الذي أعرفه وسأنتقل منه أم عن المستقبل الذي أجهله وسأنتقل إليه .. تلك الحيرة وذلك الارتباك ربما أثّر علي في الشوفة التي اضطرينا إلى تكرار مشهدها في نفس الليلة بتشجيع من خالتي الفريدة فريدة التي انتبهت لارتباكي وترددي في الجواب ربما بسبب إني كنت أتوقع المشهد بشكل معين وجاء بشكل مختلف عما تخيلته مثل المخرج الذي يرغب في أن يكون المشهد مثاليًا أو على الأقل كما يتخيله في القصة المصورة .. ووسط ترقب الجميع وتحديدًا أمي التي كانت تنتظر ردي بفارغ الصبر .. وأبي الذي كان في الجهة الأخرى من المنزل محاطًا برجال العائلتين ..توكلت على الله وحسمت الأمر .. وكان جوابي .. نعم قبلت.. وحسنًا فعلت.
وهكذا تشكلت حياتي العملية والشخصية بقرارين مفصليين بين العيدين.
شكرًا لحسن استماعكم و استمرار متابعتكم للحلقات، كما يسعدني سماع ملحوظاتكم وتجاربكم وأسئلتكم، وتهمّني مشاركتكم للحلقات مع من تحبّون. ويشرّفني اشتراككم في قناتي على اليوتيوب أو على منصات البودكاست التي تفضلونها .. وتفعيل جرس التنبيهات لتصلكم أحدث الحلقات، وإلى اللقاء.