اقترب دخول شهر الحج، وبالتالي اقتربت نهاية عامي الأول في العمل. وعرفت من الزملاء إن هذا موعد صرف بدل السكن لجميع الموظفين، بغض النظر عن الشهر الذي اتعينوا فيه. فلو كنت مملّك قبل هذا التاريخ، فعندي فرصة للحصول على بدل سكن المتزوجين، والفارق بينهما كبير، ومُعين على استكمال احتياجات تجهيز عش الزوجية.
استفدت من هذه الفرصة التنظيمية لمحاولة إقناع أبو العروسة، زوجتي المستقبلية، بتقديم موعد الملكة (العقد، كتب الكتاب) قبل بداية العام الهجري القادم، والذي لم يتبق عليه سوى شهر تقريبًا. فقد كان مصرًا على أن تكون الملكة بعد أن تنهي ابنته، العروسة، دراستها، وقبل الزواج بفترة بسيطة، أي بعد عام على الأقل.
لم أحصل منه على جواب نهائي، لأنه كان في انتداب إلى مكة خلال فترة الحج، وهذا طبعًا قبل الجوالات والقدرة على التواصل المستمر. لكنه فاجأنا بزيارة في بيتنا في العزيزية، القريبة جدًا من مشعر منى، وكانت فرصة يتعشى معانا. وإحنا بنشرب الشاهي، قال إنه ممكن نملك بعد النزول من منى، يعني يوم ١٤ ذي الحجة، قبل ما يرجع للرياض.
بدأنا الترتيبات على عجل. وطبعًا عادة أهل مكة أن الملكة تكون في الحرم… بس يوم ١٤ ذي الحجة؟ الحرم، على قولهم، ما يندعس!
وفعلًا، يا دوب دخلنا من باب الملك عبدالعزيز ووجدنا مكانًا على الدرج المؤدي للدور الأول على اليمين. وقعدنا على الدرج: أنا، وأبويا اللي كان هو المملّك أو المأذون الشرعي، وعمي أبو زوجتي، وعمي جميل، وخالي فريد، وإسماعيل رحمه الله، وخيلان زوجتي عبدالغني وعبدالرحمن وعبدالستار صباغ، وإخواني رائد وماهر وحسن.
المهم إننا كنا محاطين بالحجاج، الذين كبروا وهللوا بعد انتهاء مراسم عقد القران، مما زاد من جمال تلك اللحظات الخاطفة، وباركها بكمية دعوات هائلة تدفقت أثناء مرور تبسي التمر لمباشرة الحاضرين.
صلينا بعدها المغرب، وغادرنا إلى فندق شبرا المجاور للحرم المكي في جياد، والذي كانت تملكه وتديره عائلة والدة زوجتي السيدة فايزة صباغ. وهي عائلة عريقة في مجال الفندقة والضيافة. وهناك قام خال زوجتي عبدالرحمن باستضافتنا لشرب الشاهي والتقاط الصور التذكارية.
بعدها غادرنا إلى منزلنا في العزيزية لتناول العشاء مع رحيمي أحمد عزام الأماسي (أبو هشام)، الذي شد رحاله بعدها عائدًا إلى الرياض.
بعد انتهاء أحداث اليوم المتلاحقة، اتصلت على العروسة، زوجتي هبة، وباركت لها في أول مكالمة لنا بعد الشوفة والخطوبة، التي مرت سريعًا رغم تكرارها. كنت قد حاولت خلال تلك اللحظات السريعة أجمع وأحفظ أكبر قدر من التفاصيل عن ملامحها الهادئة، وإيماءاتها اللطيفة، وصوتها الخافت، ونظرتها الخجلة، حتى أتمكن من تكوين صورة لها في خيالي.
بعد المكالمة القصيرة، بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي عن المستقبل، والشقة، والتأثيث، والفرح، وقبله الشبكة… وكأني قصي خضر في رائعته الفنية عن الشباب المقبل على الزواج «ذا ويدينق»… (1:37)
الحاصل، عدت بعدها إلى عالم الحقيقة، وتذكرت بأن إجازة الحج قد شارفت على الانتهاء. والحمد لله كانت عندنا إجازات أعياد خرافية، جزى الله خير من صممها! مدتها ممتازة، تساعد الواحد يتفرغ للعبادة قبل العيد، ويقضي أموره من مراجعات دوائر حكومية وبنوك بعده، حتى إذا باشر الموظف العمل قلت الاستئذانات وزاد التركيز.
المهم، أدركت أني سأباشر في مكان جديد لا أعرف عنه شيئًا بعد. والغريب أن هذا الشعور، بدل ما يخيفني، كان يعطيني قشعريرة ممزوجة بشيء من الحماس… شعور لذيذ بالترقب.
وقتها، لم أكن أفهم لماذا أشعر بهذه الطريقة. لكن بعد سنوات، بدأت أفهم نفسي أكثر. أدركت أنني، بحمد الله، أستطيع التعايش مع الغموض، وربما أستمتع به أيضًا، خصوصًا عندما يكون مرتبطًا ببداية جديدة فيها شيء من المغامرة والريادة.
وربما لهذا السبب لم تكن المنظمات الكبيرة، ولا المسارات الوظيفية الواضحة والمرسومة مسبقًا، تجذبني كثيرًا طوال مسيرتي المهنية. على عكس بعض رفاقي الذين اختاروا تلك الطرق، ونجحوا فيها، بل وتألقوا.
أما أنا، فلم أكن وقتها أفهم تمامًا لماذا أختار طريقًا دون آخر، وكان هذا يسبب لي حيرة شديدة أحيانًا. لكن مع مرور السنوات، أصبحت الصورة أوضح… وأصبحت أفهم أكثر لماذا كنت أميل دائمًا إلى البدايات، وإلى الطرق التي لا أعرف بالضبط إلى أين ستأخذني.
وهكذا، بعد أن عدت من الإجازة إلى المقر الجديد الذي انتقلنا إليه قبيل الحج، وما أذكره عنه الآن أنه كان عبارة عن ڤيلا كئيبة المنظر، ذات جدران وأثاث داكن، يدخلها ضوء الشمس على استحياء في منطقة الاستقبال.
زارتنا الإدارة يومها، وجمعوا الموظفين في قاعة اجتماعات صغيرة. ولحسن الحظ كان العدد قليلًا، لأن عددًا لا بأس به كان في إجازة ملحقة بإجازة الحج. ومع ذلك، كنا واقفين حول طاولة الاجتماع المستطيلة في وسط القاعة.
بدأوا الجماعة بالسلام والمعايدة، بينما كنت أترقب إعلان خبر مغادرتي، وتساءلت: هل يستدعي الموضوع كل هذا التجمع؟
وبينما أنا غارق في أفكاري، سمعت صوت المدير يعلن بأن رئيسنا المباشر سينتقل من الوحدة…
أوبس!
وأن الشاب الذي يبدو مهمًا، والذي سبق وذكرته في حلقة سابقة، سيصبح رئيس الوحدة…
واو!
سادت فترة صمت قصيرة بدت وكأنها دهر تمعرت خلالها وجوه الحضور لأسباب لم أفهمها.
ختم المدير عناوين النشرة قائلًا: «كما أن زميلكم رأفت سيغادركم أيضًا إلى وحدة التدريب».
تنفست الصعداء بأن موضوعي لم يسقط سهوًا، كما أنه لم يصبح الخبر الأكثر مفاجأة!
ولكن… ماذا عن وحدة التدريب؟
عمومًا، لا يهم الآن .. سأعرف لاحقًا.
بعد أن بدأ الحضور مغادرة القاعة واحدًا تلو الآخر تلكأت بعض الشيء، لعل أحدًا من الإدارة يطلبني ويعطيني تفاصيل إضافية، ولكن هيهات هيهات.
المهم، بينما كنت أهمّ بالخروج، كان بجانبي أحد الزملاء الألمان، فهمس لي قائلًا:
“You are lucky.”
«أنت محظوظ».
وأعتقد أنه كان ربما كان على حق.
وبما أن الدوام كان قد شارف على الانتهاء، خرجت بهدوء. ولا أذكر هل ودعت الرفاق أو قلت لهم إلى اللقاء، حيث إن بعضهم لم ألتقِ به منذ ذلك اليوم.
توجهت إلى سيارتي وأنا أكاد أطير فرحًا، وحمدت الله على الأحداث السعيدة المتلاحقة التي مررت بها خلال هذه الفترة القصيرة، والتي فرّج الله بها أموري: ابتداءً باقتراني بشريكة حياتي، ثم انتقالي لعمل جديد.
شاب تلك الفرحة شعور بالغصة، نتيجة افتراقي عمن تشكلت معهم بداياتي. وبقيت لهم ذكرى في قلبي، وتقدير عظيم لأهمية ما يقومون به، وإن لم يكن لي دور فيه.
ولحكايتي معهم… فصل آخر.
شكرًا لحسن استماعكم واستمرار متابعتكم للحلقات. ويسعدني دائمًا سماع ملحوظاتكم وتجاربكم وأسئلتكم، ومشاركتكم للحلقة مع من تعتقدون أنها قد تهمّه.
ويشرّفني اشتراككم في القناة على اليوتيوب، أو متابعتي على منصة البودكاست التي تفضلونها، وتفعيل التنبيهات لتصلكم الحلقات أحدث الحلقات.
وإلى أن نلتقي في حكاية جديدة، ونكهة أخرى من نكهات آيسكريم النجاح .. دمتم بسلام ..